منير سلطان
135
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ويورد الجرجاني في رده على هذا الزعم - قصة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع أبي الأسود الدؤلي ، وقصة ابن عباس حين سأل الحطيئة من أشعر الناس في الماضين والباقين ، وغيرها من الروايات التي تؤكد تباين وجهات النظر في تقدير الشعراء ، ثم ينتهى إلى أن « جانب الفضل يجب والتقدم - أما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه ، أو استعارة بعيدة يفطن لها أو لطريقة في النظم يخترعها « 1 » . ولو سلموا لامرئ القيس بهذا - فهم في أحد أمرين . أولا : أنهم بذلك يكونون قد ورطوا أنفسهم في جهالة حين يدعون على كل من كان في زمان النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الشعراء والبلغاء قاطبة ، الجهل بمقادير البلاغة . ثانيا : أو أنهم في هذه الحالة ، قد علموا ما علموا ، وسكتوا عن إذاعة الأمر راضين بالقتل والسبي والتشريد مع الكتمان على إراحة أنفسهم والتشهير بالقرآن . هذا عن امرئ القيس ، فما ذا عن الجاحظ ؟ قالوا فيه مثلما قالوا في امرئ القيس ، بيد أن الجاحظ أسهل والجهل فيه أفضح ، فالشرط نقض العادة ، كما يقول الجرجاني - أن يعم الأزمان كلها ، وأن يظهر على مدّعى النبوة ما لم يستطعه مملوك قط « 2 » . وأما تقدم واحد من أهل العصر سائرهم ، ففي معنى تقدم واحد من أهل مصر من الأمصار غيره ممن يضم وإياه ذلك العصر ، لا فضل في ذلك بين الأمصار والأعصار ، إذا حقّقت النظر ، إذ ليس أكثر من أنّ واحدا زاد على جماعة معدودين في نوع من الأنواع ، وما ذلك في الإعجاز بشيء وإنما المعجزة ما علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم - إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القدر - أو فوق علومهم - إن كان من قبيل ما يتفاضل فيه العلم والفهم « 3 » . أما أن يتصور أحد أن العرب علمت من الجاحظ معارضته للقرآن ثم خفت هذه المعارضة ، خوفا منه أو عليه . فهذا أفحش الجهل « 4 » .
--> ( 1 ) الجرجاني - الرسالة الشافية - 595 . ( 2 ) المصدر السابق - 598 . ( 3 ) المصدر السابق 598 . ( 4 ) المصدر السابق 600 .